صديق الحسيني القنوجي البخاري
127
فتح البيان في مقاصد القرآن
الحدود في سورة النور ، وعن أبيّ بن كعب قال : ساء سبيلا إلا من تاب فإن اللّه كان غفورا رحيما فذكر لعمر فأتاه فسأله فقال : أخذتها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم وليس لك عمل إلا الصفق بالبقيع . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 33 إلى 38 ] وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً ( 33 ) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً ( 34 ) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ( 35 ) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ( 36 ) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً ( 37 ) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ( 38 ) ولما فرغ سبحانه من ذكر النهي عن القتل لخصوص الأولاد وعن النهي عن الزنا الذي يفضي إلى ما يفضي إليه قتل الأولاد من اختلاط الأنساب وعدم استقرارها نهى عن قتل الأنفس المعصومة على العموم فقال وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ أي التي جعلها اللّه معصومة بعصمة الدين أو عصمة العهد ، والأصل في القتل هو الحرمة الغليظة ، وحل القتل إنما يثبت بسبب عارض فلما كان كذلك نهى اللّه عن القتل على حكم الأصل . ثم استثنى الحالة التي يحصل فيها حل القتل وهي الأسباب العارضة فقال إِلَّا بِالْحَقِّ كالردة والزنا من المحصن وكالقصاص من القاتل عمدا عدوانا وما يلتحق بذلك والاستثناء مفرغ أي لا تقتلوها بسبب من الأسبابة إلا بسبب متلبس بالحق أو إلا متلبسين بالحق ، وقد تقدم الكلام في هذا في الأنعام . وعن الضحاك قال : نزل هذا بمكة ونبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بها وهو أول شيء نزل من القرآن في شأن القتل ، كان المشركون من أهل مكة يغتالون أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال اللّه من قتلكم من المشركين فلا يحملنكم قتله إياكم على أن تقتلوا له أبا أو أخا أو واحدا من عشيرته وإن كانوا مشركين فلا تقتلوا إلا قاتلكم . وهذا قبل أن تنزل براءة وقبل أن يؤمر بقتال المشركين فذلك قوله فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً يقول لا تقتل غير قاتلك وهي اليوم على ذلك الموضع من المسلمين لا يحل لهم أن يقتلوا إلا قاتلهم . ثم بيّن حكم بعض المقتولين بغير حق فقال وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً أي لا بسبب من الأسباب المسوغة لقتله شرعا وهو أحد ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل مؤمن معصوم عمدا كما في الحديث فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ أي لمن يلي أمره من ورثته إن كانوا موجودين أو لمن له سلطان لم يكونوا موجودين سُلْطاناً أي تسلطا